img

البرق بين الأرض والفضاء

تقصي الكهرباء الموجودة في السماء

البرق بين الأرض والفضاء

اكتشف الباحثون تنوعا عجيبا من النشاط

الكهربائي فوق العواصف الرعدية.

الأشباح الضوئية sprites هي ومضات منيرة عالية الارتفاع تحدث فوق العواصف الرعدية في جزء من الجو يدعى الجو المتوسط (الميزوسفير). وعلى الرغم من ندرة الأشباح الضوئية عادة فإن بعض العواصف تنتجها بصورة متكررة. وعادة ما تكون الأجزاء العلوية من السحب مشحونة إيجابيا، أما الأجزاء السفلية فمشحونة سلبيا. وفي أغلب الأحيان فإن قاعدة السحابة السلبية هي التي تومض نحو الأرض. لكن يمكن أحيانا للجزء العلوي الموجب أن ينفرغ مباشرة نحو الأرض منتجًا ومضة ضوئية ذات شدة عالية استثنائية. ولا يكون إلا واحد من نحو عشرين من هذه الأسهم البرقية الموجبة بين السحابة والأرض ذا طاقة كافية لإنتاج أشباح ضوئية. لقد لُوّنت هذه الأمثلة المسجلة من الأرض بوساطة آلة تصوير ڤيديو أحادية اللون لتنسجم مع الصورة الملونة الملتقطة من طائرة.

 منذ قديم الأزمان، بَهَرَ البرق الناس وأرعبهم ببهائه وعظمته. فقد قرن الإغريق القدماء مثلا سهم البرق بالإله زيوس، أقوى آلهتهم وأشدها. وحتى بعد تطور الفهم الحديث لطبيعة البرق الكهربائية فقد استمر بعض الغموض يكتنفها. وقد وصف العديد من المشاهدين العروض المضيئة التي تتألق عبر الامتدادات العالية في السماء ليلا. ويمكن تفسير بعض هذه الأعاجيب على أنها أشفاق قطبية أو سحب غريبة مضاءة، لكن بعضها الآخر يسبب حيرة أكبر. وعلى وجه الخصوص فقد لاحظ الطيارون الذين يطيرون في الظلام ومضات غريبة فوق العواصف الرعدية في بعض الأحيان. غير أن معظم المجتمع العلمي ظل يعتبر هذه التقارير مشكوكا في صحتها حتى عام 1990 حين التقط <R .J. ونكلر> وزملاؤه من جامعة مينسوتا ولأول مرة صورة لأحد هذه الأشباح المبهمة باستخدام آلة تصوير ڤيديو. فقد أظهرت صورهم برقًا ذا تشكيل جديد كليًّا.

قاد إنجاز ونكلر إلى نشاط محموم لتسجيل مثل هذه الظواهر الكهربائية التي تحدث في ارتفاعات عالية. فتبع ذلك مئات المشاهدات المماثلة سواء من مكوك فضائي أو من الطائرات أو من الأرض. وكانت النتيجة تفهما متناميا يفيد أن الآثار الشبيهة بالبرق مقتصرة فقط على الطبقات السفلية من الجو الواقعة بين السحب العاصفة والأرض. وفي الواقع، فقد تبيّن للعلماء الآن أن الانفراغات الكهربائية تحدث بانتظام في الهواء المخلخل حتى ارتفاع 90 كيلومترا فوق السحب المسببة للرعد.

ومن اللافت للنظر أن تكون هذه الحوادث، ومنها العديد قابل للملاحظة بالعين المجردة، قد مرّت دون أن تُكتشف خلال زمن طويل جدا. وإذا عدنا إلى الماضي وجدنا أنه ما كان ينبغي أن يكون وجود شكل من أشكال البرق في أعالي الجو مفاجئا للعلماء. فقد كانوا يعرفون منذ أمدٍ بعيد أن الأشعة فوق البنفسجية الآتية من الشمس تضرب فوق الأجزاء العالية المضطربة من الجو جزيئات الغاز فتحرر إلكترونات منها ويتكون بسبب هذه العملية الأيونوسفير، وهو الطبقة الموصلة كهربائيا التي تحيط بالأرض. ويمكن أن توجد فروق عالية في الڤلطية بين السحب الرعدية والأيونوسفير، تماما كما توجد بين السحب والأرض. ويمكن للبرق المدفوع بڤلطيات هائلة كهذه أن يغزو أيًّا من المنطقتين عندما يتفكك الهواء، الذي هو عادة عازل كهربائي، ليعطي مسارًا موصلاً تتبعه التيارات الكهربائية.

يحمل البرق عادة (في اليمين) الشحنة السالبة من قاعدة السحابة إلى الأرض. وأحيانا تؤدي صواعق عنيفة (في الوسط) إلى اختفاء الشحنة الموجبة التي تتعاظم قرب قمة السحابة فجأة. إن الحقل الكهربائي الشديد (يظهر تدرجه بالألوان) الناشئ بين قمة السحابة والأيونوسفير يسحب الإلكترونات نحو الأعلى حيث تتصادم مع جزيئات الغاز. وإذا كان الحقل الكهربائي شديدًا بشكل كاف وكان الهواء رقيقًا تسارعت الإلكترونات دون إعاقة لتصل السرعة اللازمة لنقل طاقتها الحركية إلى إلكترونات الجزيئات المتصادمة معها، مما يرفع مثل هذه الجزيئات إلى «حالة مثارة». وتتخلص هذه الجزيئات المثارة من طاقتها الجديدة المكتسبة بإصدار ضوء يسبب الأشباح الضوئية (في اليسار). وتمتد هذه الأشباح عادة في ارتفاعات تقع ما بين 50 و 90 كيلومترا.

وبسبب نقصان كثافة الجو مع زيادة الارتفاع، فإن البرق الذي يحدث في الارتفاعات العالية يشارك فيه عدد أقل من جزيئات الهواء فتعطي ألوانًا لا ترى في الانفراغات العادية. تظهر هذه الألوان عادة حمراء ولا تكاد تُرى لشدة ضعفها. لذا يجب على الباحثين استخدام آلات تصوير ڤيديو حساسة ليتمكنوا من تسجيل هذه الحوادث على خلفية سماء ليلة مظلمة. إن ضعف الضوء الصادر ضعفًا كبيرًا والطبيعة الانتقالية المؤقتة لهذه الإصدارات يتكاتفان ليشكلا تحديات تقنية صعبة أمام الباحثين المهتمين بدراسة هذه الحوادث الجوية الشبحية. ومع ذلك وخلال بضع سنين فقط أحرز المجربون تقدما ملموسا في فهمها.

لقد قام اثنان منا (سنتمان و وسكوت) بحملات بحث محمولة جوًا مستخدمين طائرات نفاثة مجهزة خصيصا لذلك. كما قام ثلاثتنا (وعديدون آخرون) بدراسة الفعالية الكهربائية في الارتفاعات العالية عن الأرض: فمثلا كنا نجتمع كل سنة، بدعوة من <A .W. ليونس> العالم الذي يعمل في ASTeR بفورت كولّنز في كولورادو، ونجهز معداتنا في مختبره خلف منزله، وهو موقع يوفر رؤية السماء، دون عوائق، ليلا وفوق العواصف الرعدية التي تحدث فوق سهول گريت بلينز (إن الصور في الصفحتين 16 و 18 هي مناظر أخذت من هذا المرصد غير الرسمي). كما سجَّل عمران.S. عِنان وزملاؤه من جامعة ستانفورد أمواجًا راديوية منخفضة التواتر من منزل ليونس، وقد ساعدتهم تلك القياسات على تكوين نماذج نظرية لذلك.

تُصنَّف الحوادث الكهربائية المكتشفة حديثا في الأجواء العالية في أربعة أصناف. يبدو نوعان من هذا البرق العالي المستوى، هما الأشباح الضوئية والشياطين الصغيرة (على الرغم من اسميهما الغريبين)، أنهما مظهران لفيزياء جوية مفهومة جيدا. أما مسببات النوعين الآخرين المدعوين النفثات  الزرقاء blue jets وحوادث أشعة گاما فتبقى تخمينية. غير أن فريق بحثنا والعديد من الفرق البحثية الأخرى في العالم مازالت تجمع المشاهدات على أمل فك شيفرة الآليات الفيزيائية التي تسيّر هذه الحوادث الغريبة. وإلى أن نتمكن من ذلك علينا القبول بإحساس يشبه إحساس القدماء بالرعب والدهشة لدى تأملنا هذه الاندفاعات العجيبة من الطاقة التي ترقص في عالم الأثير بين الأرض والفضاء.

الشياطين الصغيرة مثلها مثل الأشباح الضوئية هي مظاهر، تحدث في الارتفاعات العالية، للحقول الكهربائية المولّدة من برق عادي عالي الشدة بصورة استثنائية. وهي تظهر كطبقات كعكية متوهجة (انظر الشكل في أسفل اليسار الذي يظهرها ملونة لتنسجم مع أفضل ألوانها الفعلية المحتملة). يُمكن للشياطين الصغيرة أن تحدث مع الأشباح الضوئية لكنها تتشكل أولا ولا تدوم مثلها. تُبيّن الصورة الڤيديوية المتتالية (انظر الصور في الأعلى) التوقيت النسبي: فقبل حدوث صاعقة البرق العادي مباشرة تكون السماء مظلمة بصورة منتظمة (a). ثم تضيء الومضة الناتجة ظهر السحابة وتلد مباشرة التوهجات المسطحة للشياطين الصغيرة عاليا في الميزوسفير (b). وفي تلك اللحظات تنبثق الأشباح الضوئية عبر هذا الجزء من الجو، مضيفة تألقها إلى الضوء الضعيف من الطبقة المنيرة (c). وفي النهاية تبقى الأشباح الضوئية فقط (d).

تولّد النبضات الكهرمغنطيسية، الصادرة عن انفراغات برق شديدة، الشياطين الصغيرة. ثم تنتشر مثل هذه النبضات، التي هي في أساسها دفقة قوية من الكهرباء الراديوية الساكنة بسرعة الضوء، في جميع الاتجاهات مبتعدة عن سهم البرق. وعندما يصل جزء النبضة المتجه نحو الأعلى (الطبقات الكروية) إلى ارتفاع حرج في الجو (يتراوح ما بين 75 و 100 كيلومتر) يُسرّع حقله الكهربائي، الذي يحمله، الإلكترونات بكفاءة عالية. فتصدم هذه الإلكترونات جزيئات الهواء رافعة إياها إلى حالة مثارة مما يؤدي إلى إصدار ضوء. وتولد هذه الآلية حلقات من الضوء تتوسع عند تقاطع النبضة الكروية مع الطبقة الحرجة. ويتسع هذا التقاطع بسرعة (في الواقع بسرعة تزيد على سرعة الضوء) لدرجة أن هذه الحلقات المتوسعة تظهر كأقراص مسطحة.

إن النفثات الزرقاء المحصورة ضمن جزء من الجو أخفض من ارتفاع يقارب 45 كيلومترا، أصعب على المشاهدة مقارنة بغيرها. تبين صورة ملونة (في اليسار) أن النفثات تعطي ضوءًا أزرق غامقا لا يتغلغل في الجو مباشرة مختلفا تماما عن الظلال الحمراء التي تغلف الأشباح الضوئية والشياطين الصغيرة. لذا تتطلب مشاهدتها الذهاب إلى ما فوق الطبقة الجوية السفلية الكثيفة. لقد سجّل سنتمان و وسكوت مثل هذه المخاريط الخفيفة من الضوء الأزرق لأول مرة خلال طيرانهما فوق عاصفة شديدة حدثت عام 1994 في أركنساس. تُظهر هذه السلسلة من الصور الڤيديوية المتتابعة المأخوذة بآلة تصوير وحيدة اللون حساسة [من (a) إلى (d)] كيف تنبثق هذه الأضواء نحو الأعلى منطلقة من قمة السحب الرعدية بسرعة تقارب120 كيلومترا في الثانية. ولايزال الباحثون يحاولون التوفيق بين النظريات المتنافسة لتفسير كيفية نشوء النفثات الزرقاء بالضبط.

إن حوادث أشعة گاما والأشعة السينية الجارية فوق العواصف الرعدية هي أكثر الظواهر الكهربائية العالية الارتفاع مدعاة للحيرة. وقد أُميط اللثام عن وجودها حديثا بوساطة إحدى أدوات ساتل (قمر صنعي) مرصد أشعة كومپتون الگاماوية (في اليمين) الذي أظهر أن أشعة گاما كان مصدرها من اتجاه الأرض. وتؤخذ عادة أشعة گاما دليلا يشير إلى منابع كونية أو طاقة نووية عالية، لذا فليس من المتوقع إنتاجها في جو الأرض. ففي الأشباح الضوئية مثلا يندر وصول الإلكترونات إلى طاقات تزيد على عشرين إلكترون ڤلط (وهي الطاقة التي يكتسبها إلكترون وحيد عندما يسرّع بفرق كمون قدره 20 ڤلط) في حين أن أشعة گاما تتطلب نحو مليون إلكترون ڤلط. والفرق بين هاتين الطاقتين كالفرق بين طاقة متفجر كيميائي وطاقة قنبلة نووية (ذرية). وكما هي الحال مع النفثات الزرقاء فإن حوادث أشعة گاما بدأت تخضع حاليا إلى تفسير علمي أولي. وستساعد المشاهدات من السواتل مستقبلا على هذا المسعى.

كلمات متعلقة

ads

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ads
ads
ads

خدماتنا

أعلن معنا

20 مارس، 2015
ads
ads
ads

جميع الحقوق محفوظة لمركز العربي للطقس والمناخ ٢٠١٧