img

مأزق القيمة الإحصائية الشاذة وحلول القيمة الفارقة .. أمام الظواهر المناخية .. قضايا إحصائية

مثال جاء من الخيال .. الخيال مفتاح المعرفة

:::

في الدراسات الإحصائية .. أطرح لكم مثالا مُتخيلا

حينما تضع أمام الأطفال الصغار حدودا عند اللعب .. وتقول لهم

أيها الصغار : عند هذا المكان ينتهي لهوكم ولعبكم .. فلا تتجاوزوا هذه الحدود

فيظل الأطفال .. رهناء هذه الحدود .. حتى تقوم ؛ إما بإزالتها أو بتوسيعها أو بتضييقها مرة أخرى

إنك تحبس تصرفات الأطفال في هذا الصندوق الضيق .. صندوق الحدود

وتُحرّم تماما عليهم الخروج من هذه الحدود التي أنت من اصطنعها

ومن سيخرج منهم ستصف خروجه بأنه : تطرف أو شذوذ عن حدودك !!؟

إن الإحصائيين يتعاملون مع الغلاف الجوي كذلك

​للأسف

:::
:::

مع بدايات ظهور النماذج العددية بعد منتصف القرن الماضي .. كان هناك نوع من الكبرياء
على جهل .. وكان بعض الخبراء لا يرى التوقعات شيئا سوى أن الغلاف الجوي
مجرد دمية .. كانوا يرون حركة الغلاف الجوي مجرد لعبة أطفال

إن أولئك الذين خرجت على أيديهم النماذج العددية .. هم أسوأ من ترك بصمته على الأرصاد
الجوية كعلم وكتطبيقات .. والعالم اليوم يعاني تحت وطأة آثار مفاهيم أولئك

​ومع تحرر بعض المراكز الأرصادية
كالمركز الأوروبي شيئا فشيئا من تركة أولئك المتكبرين .. والذين أسسوا مبدأ فاسدا في الأرصاد الجوية
​وهو مبدأ الانتقاص من الغلاف الجوي

لقد كان أحدهم في الولايات المتحدة يقول : التنبؤ بالطقس .. لا شيء

كانت هناك لغة غرور

::::

في كتاب نظرية الفوضى لجيمس غليك

كان رفيق درب إدوارد لورينز .. وهو روبرت وايت

..
وهو الذي ترأّس فترة من الزمن بين 1970 و 1977 الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي ، المعروفة بـ نوا

​ وهو من يقف وراء الكثير من إنجازاتها الأولى .. بما فيها اختيار شعار نوا الأمريكية .. حينما خاطبه إدوارد لورينز عن تأثير النظم اللاخطية على التنبؤ وصعوبة التنبؤ .. رد عليه قائلا

التنبؤ لا شيء .. بل إنها السيطرة على الطقس

وقد مات روبرت في أواخر أكتوبر 2015 عن عمر يناهز 92 عاما

:::

ولغة الغرور .. انتهت في هذا الزمن .. لقد أصبح العالم في حاجة إلى المزيد من العقل والنور لا التهور والغرور

إن من الإرث الذي بقي لهؤلاء

هو القيمة الشاذة – وهي قيمة إحصائية تمثل درجة انحراف البيانات المرصودة عن المتوسط .. أو هي تشبه تماما
الحدث الشديد الذي يظهر بين أحداث معتادة

يلخّص القيمة الشاذة المهندس البرمجي مادوكا أودانثا

Madhuka Udantha

قائلا

Anomalies are patterns in data that do not conform to a well defined notion of normal behavior.

وألخصها بــ

نمط غير معتاد من أنماط البيانات لا يتوافق مع السلوك المعتاد

​والسلوك المعتاد هو المتوسط

وهنا تبرز مشكلة رئيسية : وما هو المعتاد أصلا في المناخ إذا كان متغيرا باستمرار ؟

هناك تحديات تقف عثرة في استخدام هذه القيمة الشاذة

يلخص هذه التحديات مادوكا قائلا

1-Drawing the boundary between normal and anomalous behavior
2-Availability of labeled data
3-Noisy data

فعلا إنها تساؤلات وتحديات وجيهة تماما

ما هي الحدود الفاصلة بين السلوك المعتاد وغير المعتاد ؟
ثم نبحث عن ماهية البيانات وتحديدها حتى تكون وصفا عن النظام الطبيعي في الغلاف الجوي ؟
ثم تبرز المشكلة الأزلية وهي
الفوضى – التشويش الذي يحدث في البيانات .. وعانى منه إدوارد لورينز كثيرا
كيف يمكن حله وحل تكراره وتوسعه ؟

إنه سيقضي على البيانات لا محالة

:::

وبسبب علم اللامتوقع ومعضلاته خرجت في التسعينات الميلادية من القرن الماضي ، التوقعات الاحتمالية وما يعرف بنماذج الإنسامبل


أنت حينما تضع قيمة شاذة صغرى من أصل قيمة مرجعية كبرى وهي المتوسط والمعتاد

فإنك تلغي بقية القيم التي تقع في المنتصف بين القيمة الشاذة الأعلى والقيمة الشاذة الأدنى

على سبيل المثال : حيرة العلماء من هطول أمطار غزيرة جدا لم تهطل منذ 500 سنة بينما القيمة
الشاذة كانت في المنتصف .. ليست بالعالية وليست الهابطة

ولو تم التحليل بغير القيمة الشاذة .. أو بالتعديل على القيمة الشاذة

لوجدنا أمرا مغايرا .. كان يستحق التنبيه والتحذير قبل وقوع ذلك الفيضان

:::

​وهنا أكبر عيب يتواجد في بيانات الشذوذ أو ما يعرف بعمليات كشف القيمة الشاذة

إن السمكة الحمراء كقيمة شاذة .. ستتحول إلى قرش الفوضى يوما ما وتبتلع مجموعة القيم الزرقاء
​​

Image courtesy of Shutterstock


إن القيمة الشاذة تشبه تماما الجرس الذي يوضع في فناء المدرسة .. يرن حينما تأتي الأوقات المحددة التي تم تخزينها زمنيا في مؤقتهِ

إن القيمة الشاذة علوا أو هبوطا .. ليست سوى جرس يرن حينما ترى هذه القيمة بناء على سعة الأرشيف
المحدد فيها أن موعد الرنين قد حان

إن هذا الرنين .. يذهب سدى حينما .. يأتي صوت آخر من الخارج .. وهو الفوضى

والمشكلة الأكبر .. هي .. الفترات التي تسبق وتتلو رنين الجرس .. لا يسجلها

ما هي المشكلة مع المتوسطات المناخية ؟

إن المشكلة الأزلية ليست حكرا في المتوسط .. كوجود .. وإن كانت هناك آراء تطرح حوله دوما

المشكلة في سعة هذا المتوسط أيضا .. وتجاهله للقيم الكثيرة المختلفة .. والتي ذابت كالملح في إناء صغير
اسمه المتوسط .. هذا المتوسط المناخي هو الذي تتبعه القيمة الشاذة في تغيرها صعودا وهبوطا

إنه ضابط إيقاع جرس القيمة الشاذة

ولكن .. هل للغلاف الجوي ضابط إيقاع أصلا ؟

إنها إيقاعات شتى .. حتى وإن تزاحمت في مرحلة زمنية معينة

:::
:::

القيمة الشاذة والقيمة الفارقة .. صراع عددي

تخيل معي

حينما تمتلك مرجعية زمنية محددة بين 1979 و 2010 لقياس عمر شيء محدد

فتقول : هذا الرجل عمره الافتراضي بين 1979 و 2010 وتريد إحصاء أحداث حياته بهذا التحديد الافتراضي الذي هو في الحقيقة ومرادك : المتوسط

فما كان من أحداث حياته شائعا​ سيغلب على الأحداث غير الشائعة ويأخذ وصف المتوسط

فتنقلب الطاولة .. طاولة حياته .. من سلوك اعتيادي متغير .. إلى سلوك بين نقطتين
معتاد وغير معتاد .. شائع وغير شائع .. وهنا تولد القيمة الشاذة

السؤال : ماذا لو كثرت الأحداث غير الشائعة في حياة هذا الرجل .. وأصبحت أكثر من الشائعة ؟

ستنقلب .. وتصبح غير الشائعة هي المتوسط والشائعة هي القيمة الشاذة

أي أن السمكة الحمراء .. القيمة الشاذة .. ستصبح أكثر من الأسماك الزرقاء .. القيمة المعتادة

وهنا تولد الفوضى

أي : أن القيمة غير الشائعة وهي القيمة الشاذة .. تكررت وتفوقت على القيمة الشائعة وهي المتوسط

إن هذا الأمر هو ما ينتهي بقياسات الظواهر المناخية ، وهو ما يعرف بالفوضى .. والتشويش

وهو ما عانى منه إدوارد لورينز في أبحاثه .. حتى أنه أسماه رفة جناح الفراشة

إن هذا التعاظم في التغيرات .. يقلب الطاولة تماما .. إنه سيأتي .. إنه لا مفر منه أبدا

:::::

أورد جيمس غليك في كتابه .. نظرية الفوضى
أنشودة فلكلورية أمريكية جميلة .. إنها أبسط مثال على ذلك .. تقول

بسبب مسمار سقطت حدوة حصان
وبسبب حدوة حصان .. تعثّر فارس
وبسبب حصان .. سقط فارس
وبسبب فارس .. خُسرت معركة
وبسبب معركة .. فُقدت مملكة

تتابع في الأحداث .. من الأصغر .. حتى الأكبر

ولكن .. ما الذي سيحدث حينها ؟

ستأخذ التغيرات طابعا جديدا وهو : الاتجاه الواحد

Trend

وهذا ما يحدث مع ما يعرف بالاحتباس الحراري .. وارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض
​بالرغم من أن هذه الارتفاعات لا تساوي شيئا .. وأقل من الارتفاعات الكبيرة قديما في المناخ القديم
والبشر ينتشرون أصلا وتزدهر حياتهم في أزمنة الدفء القديمة .. ويهلكون في أزمنة البرد

إنك تُحيل كل التغيرات الطبيعية التي تحدث خارج تلك القيمة المرجعية التي هي كالحد .. إلى وصف : قيمة شاذة

هذه القيمة الشاذة .. لن تبقى دائما هكذا

​ستبتلع البيانات يوما ما

ولعلنا .. شاهدنا .. تذبذب الرياح المدارية شبه ثنائية السنوات .. حينما تغير

​إن جزءا من تغيره .. يعود للبيانات التي كانت تصفه وتحاكيه

:::
​:::

إن إدوارد لورينز .. لما فشلت المعادلات التي كان يضعها في نموذجه البسيط على جهازه الماك

توصل إلى التوقعات الاحتمالية .. وهو أول من لفت النظر إلى استخدام تحليل المكونات الرئيسية
في التوقعات المناخية وفي المحاكاة

وبواسطته جاءت الثورة الأولى لظهور مفهوم نماذج الإنسامبل التي تتنبأ بالغلاف الجوي
بناء على أوضاع ابتدائية مختلفة


إن المؤشر الذي يغلب عليه الاتجاه ناحية الصعود باستمرار أو الهبوط باستمرار

لن ينفع في دراسة التغيرات التي تحدث في الغلاف الجوي

هل هذا الرسم البياني صحيح ؟

وهو لدرجات حرارة كوكب الأرض – بواسطة القيمة الشاذة

​وهو مبني على القيمة الشاذة ؟

من إعداد وإنتاج الأرصاد الجوية اليابانية​

​لا .. إنه غير صحيح .. إنه يعاني من مرض اسمه .. الاتجاه المستمر

إنه لم يعد مقنعا .. لماذا ؟

لأن سعة الأرشيف الضيقة هي من تجذب المؤشر وتجعله يصعد باستمرار
مهما كانت النتائج مختلفة بين موسم وآخر

إن المناخ خلال 120 سنة مضت لا يساوي شيئا حينما نراه بسعة 12 ألف سنة مضت

إن فترة 120 عاما أو 30 سنة .. لا شيء بالنسبة للعصر الهولوسيني الحالي فقط .. فضلا عن ما مضى

إن كوكب الأرض يختلف بين موسم وآخر من نواحي درجات الحرارة .. وهذا المؤشر يلغي هذه الاختلافات

لأنه محصور في هدف معين .. وهو حدود الأرشيف

هل تتذكر .. حدودك التي تضعها للأطفال ؟

​إن هذا تماما مثل ذلك

إننا لو استخدمنا القيمة الفارقة التي تضع السعة والأرشيف أمامها يساوي : الصفر

​سيتغير كل شيء


هنا أحد الأمثلة على منتوج القيمة الفارقة

الفرق الحراري بين أغسطس 2016 و أغسطس 2015
المستوى المنخفض 850 هكتوباسكال
​بواسطتي وفق رؤى المشروع العربي
مؤشر القيمة المنخفضة فقط

يظهر المؤشر أن أغسطس 2016 أقل حرارة في المواقع الموضحة على الخريطة

لقد كان القطب الشمالي أقل حرارة في شهر أغسطس هذا العام من أغسطس 2015 بشكل كبير

ومثل ذلك المناطق الأفريقية المصرية والليبية التي عانت الموسم الماضي من موجة حر قوية
ومثل ذلك وسط أوروبا

::::::::::::

​القيمة الفارقة .. هي أفضل القيم في وصف ومحاكاة المناخ والطقس أيضا

أنت لا تمتلك الأرشيف المستحوذ على كل تفاصيل المناخ أصلا

​كما أن القيمة الشاذة ليست حرة كالقيمة الفارقة الحرة

إن القيمة الشاذة رهينة الأرشيف .. فهو من يسيّرها لا المتغيرات

إنك حينما تضع القيمة الفارقة تساوي : صفر .. ثم تبدأ بالتحليل

​سترى بوضوح كيف يختلف كل موسم عن الآخر

ولكنك حينما تضع في القيمة الشاذة متوسطا معينا .. يقرع جرسها حينما تهبط أو تتجاوز عنه
فإنك تتعامل مع الغلاف الجوي تماما كما يتعامل مدير الشركة أو الموقع مع ما يملك

​:::

في الإحصاء .. هناك قيمة تعرف بقيمة الفرق الموسمية

Seasonal Differencing

وهي تتبع أحد مناهج القيمة الفارقة .. بحيث تستخدم أسلوب الطرح .. طرح القيم من بعضها البعض

للقضاء على مشكلة الاتجاه الموسمي الذي يفسد البيانات تماما .. ويضعف من درجات معرفتك

إن عمليات الطرح .. جزء من أساليب استنتاج القيمة الفارقة


في المشروع العربي .. نقوم بمحاكاة الغلاف الجوي بناء على القيمة الفارقة
ونستخدم المتوسط دون أن يفسد علينا دقة المحاكاة
لا أقصد المتوسط المناخي .. لا .. فهذا لا نستخدمه أبدا .. بل نستخدم المتوسط في حساب التغيرات بشكل مفتوح زمنيا ليس بشكل مغلق كالذي يحدث في كل مراكز الأرصاد عالميا

​ونتفادى باستمرار مشكلة القيمة الشاذة
​ولا نستخدمها

فتخرج أعمال تهم من يبحث عن التغير المستمر غير المربوط بالأرشيف

إنها رحلة طويلة قطعناها .. وبمشيئة الله تنتهي على خير وبنجاح مستمر

هنا جانب من حساب التغيرات بين يوم ويوم فقط
مؤشر الضغط المنخفض عن مستوى الضغط الديناميكي 500 هكتوباسكال
هذه الخريطة لا تظهر سوى الضغط المنخفض
وهي من إنتاج المشروع العربي

::::::::::::

في محاكاة الغلاف الجوي .. المليء بالمتغيرات والقيمة البالغة التعقيد

يصبح الأسلوب الرياضي المتبع أمرا بالغ الأهمية .. بل هو رأس مال المعرفة الأرصادية

فهو إما أن يتركك بعيدا عن الغلاف الجوي الحقيقي الفعلي .. لتنحاز لحدود قسرية ، تماما كحدود لعبة الأطفال

وإما أن يجعلك منطلقا معه في فضائه الأرحب .. مع القيمة الفارقة

::::

والله تعالى أعلم

:::::::

خالد العتيبي

كلمات متعلقة

البرق بين الأرض والفضاء

تقصي الكهرباء الموجودة في السماء البرق...
اقرأ المزيد

28 فبراير 2017 - 9:00م
ads

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ads
ads
ads

خدماتنا

أعلن معنا

20 مارس، 2015
ads
ads
ads

جميع الحقوق محفوظة لمركز العربي للطقس والمناخ ٢٠١٧